ابراهيم بن عمر البقاعي
66
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ذلك فقال : الَّذِينَ ظَلَمُوا ثم بين ما تناجوا به فقال : هَلْ أي فقالوا في تناجيهم هذا ، معجبين من ادعائه النبوة مع مماثلته لهم في البشرية : هل هذا الذي أتاكم بهذا الذكر إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي في خلقه وأخلاقه من الأكل والشرب والحياة والموت ، فكيف يختص عنكم بالرسالة ؟ ما هذا الذي جاءكم به مما لا تقدرون على مثله إلا سحر لا حقيقة له ، فحينئذ تسبب عن هذا الإنكار في قولهم : أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ أي والحال أنكم تُبْصِرُونَ * بأعينكم أنه بشر مثلكم ، وببصائركم أن هذه الخوارق التي يأتي بها يمكن أن تكون سحرا ، فيا للّه العجب من قوم رأوا ما أعجزهم فلم يجوزوا أن يكون عن الرحمن الداعي إلى الفوز بالجنان وجزموا بأنه من الشيطان الداعي إلى الهوان ، باصطلاء النيران ، والعجب أيضا أنهم أنكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم لما يخص اللّه به بعض الناس عن بعض من الذكاء والفطنة ، وحسن الخلائق والأخلاق ، والقوة والصحة ، وطول العمر وسعة الرزق - ونحو ذلك من القيافة والعيافة والرجز والكهانة ، ويأتون أصحابها لسؤالهم عما عندهم من ذلك من العلم . ولما كان اللّه تعالى لا يقر من كذب عليه ، فضلا عن أن يصدقه ويؤيده ، ولا يخفى عليه كيد حتى يلزم منه نقص ما أراده ، قال دالا لهم على صدقه ومنبها على موضع الحجة في أمره - على قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ، وجوابا لمن كأنه قال : فماذا يقال لهؤلاء ؟ - على قراءة الباقين : قالَ رَبِّي المحسن إليّ بتأييدي بكل ما يبين صدقي ويحمل على أتباعي يَعْلَمُ الْقَوْلَ سواء كان سرا أو جهرا . ولما كان من يسمع من هاتين المسافتين يسمع من أيّ مسافة فرضت غيرهما قطعا ، لم يحتج إلى جمع على أنه يصح إرادة الجنس فقال : فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ على حد سواء ، لأنه لا مسافة بينه وبين شيء من ذلك وَهُوَ أي وحده السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * يسمع كل ما يمكن سمعه ، ويعلم كل ما يمكن علمه من القول وغيره ، فهو يسمع سركم ، ويبطل مكركم ، ويسمع ما أنسبه إليه من هذا الذكر ، فلو لم يكن عنه لزلزل بي ، وقد جرت سنته القديمة في الأولين ، بإهلاك المكذبين ، وتأييد الصادقين ، وإنجائهم من زمن نوح عليه السّلام إلى هذا الزمان ، ولعلمه بحال الفريقين . وستعلمون لمن تكون له العاقبة ، وقد أشار إلى هذا في هؤلاء الأنبياء عليهم السّلام الذين دل بقصصهم في هذه السورة على ما تقدمها من الأحكام والقضايا وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ [ الأنبياء : 51 ] إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ و كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ و كُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ [ الأنبياء : 88 ] وَإِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ [ الأنبياء : 109 ] إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ [ الأنبياء : 110 ] أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ